11‏/06‏/2011

145 - الجَزِيرَة وَالجَزَرَة

(1) الجَزِيرَة وَالجَزَرَة

نسرين عز الدين

خلال ثورة مصر، حصلت قناة الجزيرة على ما كانت تسعى إليه، تهنئة الإدارة الأميركية على تغطيتها للأحداث. إذن وأخيرا وجدت قناة الجزيرة الإنكليزية جمهورا لها بعد طول مقاطعة.

كتبت الصحيفة الأميركية التي نقلت الخبر حينها أنه لا يمكن أن يكون هناك شخص أكثر سعادة من عبد الرحمن فقرا مدير مكتب الجزيرة في واشنطن. وعلّق فقرا على "الحدث الجلل" بقوله "من يسعى من الأميركيين إلى فهم الوضع في المنطقة، عليه أن يتوجه إلى القناة".

حققت الجزيرة ما حققته خلال ثورتي تونس ومصر، وفجأة أصيبت بالعمى حين وصلت الأحداث إلى البحرين. وفي الوقت الذي كانت تهلل فيه لضربات الناتو في ليبيا كانت تتغاضى عن الضربات التي تنهال على المتظاهرين في البحرين بلا هوادة.

شخصيا كنت من أولئك الذين آمنوا بهذه القناة، وكنت من أشد المدافعين عنها، حالي حال عدد كبير من العرب الذين ظنوا في مرحلة ما أنهم وجدوا فيها صوتا للشعوب. لكن الصورة تغيرت وانقلبت وتحوّلت الجزيرة إلى شيء آخر.. كثير من خيبة الأمل وقليل من المهنية.

لم تتحدث القناة القطرية كثيرا عن البحرين، وحين تحدثت في مناسبات قليلة جدا وحاولت أن تستضيف شخصيات معارضة عبر الهاتف كان أسلوب مقدمي النشرات "وقحا"، استخفاف واستفزاز ومقاطعة دائمة، فالرأي الآخر لا وجود له في حالة البحرين. وقاحة لم نلمسها حين قررت الجزيرة استضافة ناطق باسم الجيش الإسرائيلي خلال أحداث يوم النكبة الأسبوع الفائت. حينها أعطت القناة لهذا الرجل 15 دقيقة كاملة للحديث بلا مقاطعة تذكر وبلا استفزاز.

مهلا قالت الجزيرة يومها، سنسمعكم في هذا اليوم تحديدا "الرأي الآخر"، لأن شعارنا يقول إننا الرأي والرأي الآخر، وبينما يطلق رصاص الجيش الإسرائيلي على رؤوسكم وصدوركم، سنسمعكم الرأي الإسرائيلي، لأنه ليس برأي ثابت وليس برأي يعرفه العرب ولن يكون كلاما مكررا سمعه العرب ملايين المرات.

أمس حين خرج أوباما بخطابه الموده الى العالم العربي، قررت القناة أن تقوم "بتغطية خاصة".. قبل وبعد وما بعد بعد الخطاب.

تحدث الرئيس الأميركي وبشكل مباغت عن البحرين، وإن كانت "إفتتاحية" الحديث "إنطلقت من مبدأ "ملتوٍ"، إلا أنه تحدث في دقائق معدودة أكثر مما تحدثت الجزيرة خلال الأسابيع الماضية. صحيح أنه تحدث عن "شرعية قانونية" وحق لبقاء الحكم رغم كل ما يحدث إلا أنه أشار أيضا إلى الإعتقالات والعنف.. فماذا حصل للقناة القطرية في تلك اللحظة؟

ما حصل أنها تلقفت سريعا جملة "إيران حاولت استغلال الأوضاع في البحرين" ووضعتها في شريطها الإخباري، أما بقية الحديث فلم يجد له طريقا لينضم الى عواجل الجزيرة. إنتهى أوباما من حديثه عن البحرين وإنتقل إلى نقاط أخرى، دقائق طويلة مرّت قبل أن تضع الجزيرة خبرا عاجلا "متأخرا جدا" يتحدث عن ضرورة الحوار الجدي بين المعارضة والحكومة البحرينية.. تأخير قد يكون مرده إلى بلبلة ما اضطر خلالها المسؤول عن إختيار العواجل إلى العودة الى من هو أعلى مرتبة منه كي يقرر ماذا سيختار وماذا سيهمل من حديث الرئيس الأميركي عن البحرين، أو إلى مداولة ونقاش حول ما قاله وحول ماذا ستختار القناة من أقوال لن تخرجها عن خطها المعتمد في تغطية أحداث البحرين والمتمثل بـالإنتقائية حينا وبالتجاهل التام في أحيان أخرى.

هذا ما تم اختياره عن البحرين، فلا كلمة إعتقالات ولا كلمة عنف ولا كلمة سجون وجدت آذانا صاغية في القناة، بينما كل شاردة وواردة عن سوريا في الخطاب كان تخرج بشكل عاجل على الشاشة وتبقى لوقت طويل.

نظرية المؤامرة التي تم الترويج لها بقوة خلال التظاهرات البحرينية، إستخفت بها الجزيرة حين وصل الأمر الى سوريا. وتحولت التقارير الإخبارية عن سوريا إلى "ميني دراما" يؤديها المقدم بصوت بكائي حينا وغاضب في أحيان أخرى. وبعيدا عما يحدث فعليا سياسيا وعسكريا في سوريا، دخلت الجزيرة في معركة مع التلفزيون الرسمي السوري. وليس انتقاصا من قيمة أي وسيلة إعلامية، لكن أن تدخل قناة "بحجم الجزيرة" في صراع مع وسيلة إعلامية حكومية، فهذا إخبار لنا، نحن الذين كنا نؤمن بهذه القناة، بأنهم يرون أنفسهم هكذا..محطة اخبارية عليها أن تتصارع مع إعلام حكومي لتثبت نفسها !.

تقول الجزيرة إنها تتعرض لهجوم عنيف ولإنتقادات لاذعة،لا وبل تشعر في أحيان عدة بأنها معنية بالدفاع عن نفسها ولو بشكل غير مباشر، فتقوم بوضع خبر في شريطها الإخباري عن ارتفاع عدد المتتبعين لها على صحفة فايسبوك الى مليون.. صحيح أنها تتعرض لهجوم، وصحيح أنه هجوم عنيف لكنه يأتي من جهة تشعر بأنه تمت خيانتها.. من جمهور يشعر بأنه تم خداعه وتضليله، جمهور لجأ إلى هذه القناة بعد أن شعر باليأس من قنوات محلية واخرى عربية تنتهج علنا سياسة الأحزاب والدول الممولة لهم. جمهور رأى فيها، رغم الشوائب الظاهرة في أحيان كثيرة، بعضًا من الأمل في إعلام يسير بين التبعية السياسية وبين نبض الشارع.. وفجأة إنهار كل شيء.

أصبحت وبشكل علني العصا التي تضرب بها قطر على رؤوس من تريد إزاحتهم من دربها وعلى رؤوس من تريد قطر حشرهم في الزاوية من أجل مفاوضات حول ملفات ومن اجل مكانة سياسية عربية وعالمية.

تحب أميركا سياسة العصا والجزرة، وباتت قطر بدورها مغرمة بهذه السياسة، فها هي الجزيرة تتحول الى عصا بينما تبقى الجزرة معلقة في مكان ما.

يرى البعض أنه كان للعرب نصيب في ثورة واحدة وهي ثورة الياسمين، وفي ثورة ممزوجة بالسياسة في مصر، أما بقية الأحداث في اليمن وليبيا وسوريا فهي حرب سياسية وقودها الشارع. وكان لنا نحن الجمهور العربي نصيب في إعلام جميل في ثورتين.. وجزيرة بوجهها الحقيقي في البقية.

وجه ليتنا لم نره ولم نعرف له ملامح ولم نسمع له صوتا.

May 21, 2011

(२) إعْلامُ السُّوْء

للشاعِر : سَيْفُ الحَق


بَـانَ العَـوارُ وَسَـوءَةُ الإعْـلامِ مُتَواطِؤنَ عَلـى هَـوىْ الحُكَّـامِ

يَتراقَصونَ عَلى الجِـراحِ شِعَارُهُـمْ حُرِّيـةُ التَـرْويْـجِ لـلأَوْهَـامِ

مُتَسَلِّلُونَ إلـىْ العُقُـولِ بِمَكْرِهِـمْ ظَهَروا لَنـا بِمَلابِـسِ الإِحْـرَامِ

وَمُضَلِّلُونَ تَـرىْ عَلـىْ شَاشَاتِهِـمْ مَدْحَ الفُجُـورِ وَمُتْعَـةَ الإجْـرَامِ

كَذِبٌ وَتَضْلِيـلٌ وَطَمْـسُ حَقِيقَـةٍ هَـذِيْ حَقِيقَـةُ شِرْعَـةِ الإِعْـلامِ

وَسِيَاسَةٌ رُسِمَتْ لِتَسْلِـبَ عَقْلَكُـمْ وَتَسُوْقُكُمْ لِلْجَهْـلِ مُنْـذُ فِطَـامِ

رَأْيٌ وَآخَـرُ مِثْلُـهُ مُتَعَـاكِـسٌ فِيْ وُسْطِهِـمْ مُتَغَافِـلٌ مُتَعَامِـيْ

لِيُسَوِّقُـوا آرَاءَهُـمْ وَيُـرَوِّجُـوا مَا شَاءَ سَيِّدُهُـمْ مِـنَ الأَحْكَـامِ

إنْ قُلْتَ رَأْيَكَ عِبْرَ مِنْبَرِهِـمْ فَـلا تَتَطَاوَلَـنَّ عَلـىْ نِقَـاطِ نِظَـامِ

وَإِذا دُعِيْتَ إلىْ الحِوارِ فَكُـنْ لَهُـمْ عَوْنـاً لِنَشْـرِ عِبَـادَةِ الأَصْنَـامِ

رَسَمُوا الخُطُوْطَ الحُمْرِ حَوْلَ دَهَائِهِمْ مَنْ جَازَهَا يُلْقَـىْ إِلـى الإِعْـدَامِ

وَتَرى اليَهُودَ عَلىْ الدَّوامِ ضُيوْفَهُـمْ وَكَأَنَّهُمْ فِـيْ رِحْلَـةِ اْستِجْمَـامِ

وَحِوَارُهَا المَفْتُـوحُ يَبْقَـى مُقْفَـلاً إِلَّا أَمَــامَ مُـهَـرِّجٍ شَـتَّـامِ

فِيْ نَشْرَةِ الأَخْبَارِ تَسَمَـعُ أوْ تَـرىْ شَـرّاً يَفُـوْقُ قَطِيْعَـةَ الأَرْحَـامِ

وَإذا وَجَدْتُمْ فِيْ الظَّـلامِ مُهَرِّجـاً يَدْعُـو إِلـىَ ذُلٍّ أَوْ اْسْتِـسْـلامِ

هَاتُوهُ ضَيْفـاً للمَسـاءِ مُجَاهِـراً بِالفِسْـقِ وَالإلْحَـادِ وَالآثــامِ

أَوْ مُطْرِباً رَضِيَ السُّفُـورَ لِنَفْسِـهِ فَاسْتَقْبِلُـوهُ بِـرَايَـةٍ وَوِسَــامِ

144- Make me strong

I know I’m waiting
Waiting for something
Something to happen to me
But this waiting comes with
Trials and challenges
Nothing in life is free
I wish that somehow
You’d tell me out aloud
That on that day I’ll be ok
But we’ll never know cause
That’s not the way it works
Help me find my way
My Lord show me right from wrong
Give me light make me strong
I know the road is long
Make me strong

*****
Sometimes it just gets too much
I feel that I’ve lost touch
I know the road is long
Make me strong

*****

I know I’m waiting
Yearning for something
Something known only to me
This waiting comes with
Trials and challenges
Life is one mystery
I wish that somehow
You’d tell me out aloud
That on that day you’ll forgive me
But we’ll never know cause
That’s not the way it works
I beg for your mercy
My Lord show me right from wrong
Give me light make me strong
I know the road is long
Make me strong

*****

Sometimes it just gets too much
I feel that I’ve lost touch
I know the road is long
Make me strong

****

لسماع الكلمات

بصوت سامي يوسف

اضغط هنا

06‏/06‏/2011

143 - عِظَامُ أُمّي

عِظَامُ أُمّي
د. عدنان جابر

القصة فازت بجائزة تقديرية في مجال "القصة الصحفية" في "مسابقة العودة" 2011 التي نظمها "مركز بديل" (المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين) في بيت لحم.


مر العمر بسرعة. في ذلك اليوم، في 5 حزيران عام 1969، عندما رأتني أمي في مستشفى عالية في الخليل ورصاص المحتلين قد أصابني في رقبتي وقدمي، كنتُ في السابعة عشر من عمري. كان سلاحي "سيخ كباب" صنعتُه في مدرسة الأمير محمد الإعدادية، وطعنتُ به ثلاثة جنود إسرائيليين أمام الحرم الإبراهيمي.
في ذلك اليوم، وأنا بين الصحو واليقظة، نظرت أمي إلى وجهي المشوه الدامي، وقالت: "معلش يما، المهم إنك عايش". كانت قوية، مثلما عرفتها دائماً. أنعشتني كلماتها، وأنعشتني أنفاسها المشبعة بالحنان.
أخذني الجنود في عربة عسكرية من طرف شارع "السهلة" أمام الحرم الإبراهيمي حيث اشتبكت معهم إلى الثكنة العسكرية "العمارة" المتواجدة على تلة مرتفعة، وهي مسافة طويلة بالنسبة لجريح ينزف من فمه ورقبته وقدمه. ويبدو أنهم اعتقدوا بأنني على وشك الموت، لذلك قفلوا عائدين بي وأدخلوني إلى "مستشفى عالية" كي أموت هناك، ولكن تحت حراسة من قبل شرطة الخليل المحلية، ومداهمة مفاجئة متكررة من جنود الاحتلال للتأكد من عدم هروبي أو تهريبي. لم تطل إقامتي هناك، إذ عندما عرفوا بأنني لم أمت سرعان ما تم نقلي إلى مستشفى سجن الرملة.

طوال سنوات أسرى، كانت أمي تطارد ورائي من سجن إلى سجن، وكانت أكثر حيوية ومعنوياتها أقوى مقارنة بوالدي الطيب. كانت تتمتع بصوت جميل، قالت لي قريبتنا "أم العبد": "أمك كانت تحيي كل عرس تحضره". قبل الاحتلال، كان غناؤها يشي بالفرح والقوة، مع مجيء الاحتلال وتكرس الفراق وتشتت الأسرة بين الوطن ومنافي الغربة صار غناؤها مفعماً بالحزن والأسى لكن لم يخل من القوة والصبر. أدركنا أن أمنا تغني كي لا تبكي، وإن بكت فبعيداً عن أنظار الآخرين.. كانت تغني لأنها اعتادت صناعة الأمل.
كنت أعرف أن لي مكانة أثيرة في قلبها، بسب كوني أسيراً وجريحاً. وأنا خلف القضبان خصصت لي بعض قصائدها الزجلية، وبعد خروجي من السجن، أثناء وجودي في رومانيا للعلاج تلقيت منها رسالة تقول فيها: " ليتني قطعة شاش أبيض، ألتف بها على قدمك يا ولدي الحبيب".
في صوفيا، أثناء دراستي هناك، أسمعتُ بعض الزملاء والأصدقاء شريطاً لها كنت قد سجلته لها أثناء زيارتها لي في سورية. وأثناء استماعهم لصوتها، سألتهم مازحاً: " هل تعرفون مغنية في فلسطين اسمها سعاد صلاح؟"، فأجابوا: ""لا، ولكن صوتها حلو". فقلت: "هي أمي".
امتد زمن الفراق، صَعُبَ على الحاجة سعاد أن يكون أولادها مشتتين في فلسطين والأردن والكويت وسورية والعراق والصين وبلغاريا، فعانت من عنت الزيارة وعبء السفر. مرة، تطلعتْ إلى شجرة التوت أمام بيتنا في الخليل، ورأت عصفوراً ينطنط على أغصانها فأنشدتْ تقول: " عصفور يا كتكوت.. يا مغرد فوق التوت.. أيام عم بتفوت.. وحبابي ما عادوا لَيِّ". وعلى جسر الأردن، طلعت معها: "مقساك يا دهر.. وما أصعبك يا جسر".
كانت تأتي لزيارتنا مجتمعين أو فرادى. في البداية، وهي في صحتها، كانت تأتي لوحدها، ثم صارت تأتي برفقة أحد أبنائها أو إحدى بناتها، وأخيراً، لم تعد تأتي.. تعبت عظام أمي!
انتظرتني في عمان سنتين كي تراني، لكن ذلك لم يحصل. فلا هي قادرة على السفر إلى سورية بسبب عظامها المتعبة، ولا أنا كنت قادراً على السفر إلى الأردن لأنني مبعد عن البلاد.
بسبب وضعها الصحي، ارتأى إخوتي وأخواتي في الأردن أن يُبقوا الوالدة لديهم، وأن "تدور" على بيوتهم، أسبوع في كل بيت، إلى أن يأخذ الله الوديعة. كانت تلح للعودة إلى الخليل، وهم يراهنون على "النسيان" الذي بدأ يفعل فعله في ذاكرتها، ويقولوا لها : "يا حاجة لسه امبارح جيتي!". لكن ذلك لم يعد يفلح معها، وصارت تبكي كالأطفال كي تعود إلى الخليل. وعادت وماتت ودفنت هناك.
.. حققت أمي "حق العودة" بأن يكون لها قبر في الوطن!
حُلْمُنا الغالي "حق العودة" سيشمل الأحياء، فهل سيشمل الشهداء، والأموات، والعظام، وكيف؟!
ربما سيكتفي الشهداء بالنصر، فهو العودة॥ ويكفي أن نقرأ الفاتحة، كلٌّ من مكانه، على أعزائنا الذين تضمهم القبور.. في أربع رياح الأرض।

يحزنني تشتت قبورنا.. يؤلمني تشتت العظام. أبي وأمي مدفونان في الخليل، أخي الأكبر غازي مدفون في الكويت، وابني مارسيل مدفون في صوفيا: اختار في بلغاريا، صوفيا، الساعة الواحدة ظهراً، يوم السبت الموافق 26 تموز 2008، وهو في الرابعةِ والعشرين من العمر، أن يُتوِّج نجاحه في السنة الرابعة والأخيرة في الجامعة، بالقفز من الطابق السادس. كان على وشك التخرج من الجامعة.. لكنه فضَّل أن يخرجَ من الحياة!
وأنا॥ أين سيكون قبري؟! لقد قالها محمود درويش: أرى الجنازة ولا أرى القبر..

كما حصل مع عظام أمي، لم تعد عظامي تحملني بيسر، مع أنني أتوكأ على عصا، فالشظايا ترافق قدمي منذ 5 حزيران 1969 وحتى الآن، والجرح لا يلتئم.
عندما زارني والدي المسكين في بغداد قال لي بألم: "يابا، إذا بتتعبك كتير، وما بتشفى، اقطعها وارتاح"! لكنني قررت التمسك بها، وعندما يسألني إخوتي وأخواتي على الهاتف من فلسطين أو الأردن أو الصين: "كيف وضع رجلك؟"، أجيبهم: أفضل من الوضع السياسي!
صمدت رجلي أكثر من 40 عاماً، وهناك دول لا تصمد 40 يوماً. بعد أن رافقتني كل هذه السنوات، وتحملتني في السراء والضراء، وبعد 14 عملية جراحية، وبفضلها رأيت عدة دول في العالم، هل أتخلى عنها؟! وإذا تم بترها، كيف سأنزل إلى البحر، أو أنزل إلى الدبكة وأدْبكُ مع من يدبكون؟!
تخيلتها وهم يبتروها ويرموها في النفايات، تخيلتها بعد هذا الصمود وهذه "العِشْرة"، تخيلتها تقول بأسى: يا عيب الشوم!
رِجلي جاءت إلى الدنيا معي، وستغادرها معي، لن أتخلى عنها. جئنا معاً، وسنذهب إلى القبر معاً، أحتفظ بها مثلما أحتفظ بـ (البنطلون) المثقَّب بالرصاص.. الحمد لله أنه رصاص الأعداء!
عندما رأتني أمي في مستشفى عالية كنت في السابعة عشر من عمري، أما الآن فأقترب من الستين. كان سلاحي "سيخ كباب"، وأصبح سلاحي القلم، أحمل شهادتين: دكتوراه في الفلسفة ودكتوراه في القهر، القهر من جهتين: من الغربة والمنافي، ومن وجود مفارقة باهظة ودامية: شعبنا الفلسطيني شعب عظيم مبدع معطاء، وزعماؤنا يتقنون الفشل والتبديد والخواء.. زعماء يرون الكرسي.. ولا يرون زيتون البلاد!
أصابني مرض الضغط بعد الاقتتال في غزة.. و"انتصار" ثورتنا.. وبعد أن "رزقنا" الله "دولتين" بدل دولة واحدة! كنت أعرف أن الدواء والحمية لا يكفيان، بل لا بد من إطعام الروح. لذلك، من أجل تعزيز الأمل ومحاربة الكآبة، قمت بشراء "سيديات" مختارة لفيروز، أم كلثوم، عبد الوهاب، خوليو اغليسيس، ياني، وموسيقى كلاسيكية لموسيقيين مختلفين من عدة قرون.
لا أملك ما أُوَرِّثُهُ لأولادي سوى بنطلوني المصاب وبعض المؤلفات، لا أملك بيتاً أُوَرِّثُهُ لهم كي أريحهم وأريح فاطمة من هَمِّ الإيجار و"شحشطة البيوت"، لا أملك شيئاً سوى حُلْمٍ بامتلاك قبر.. قبر في الوطن!
ولي حُلْمٌ بسيط: ابني عُمَر (8 سنوات) وابنتي دالية (10 سنوات) أن يعيشا طويلاً وان لا ينقصف عمرهما كما انقصفَ عُمْرُ أخيهما مارسيل، ألا تموت فاطمة قبلي بل أن أموت أنا قبلها، وأن تعيش هي وأولادي بكرامة، لا أريدها أن تصطف في طابور الأرامل أمام باب أي مسؤول تافه، أو سافل!

وأريدُ كبوةً أخيرة

كبوةً ترافقها السلامة
قبراً جميلاً

أُعَلِّقُ عليه التعب
وأنامُ فيه إلى القيامة


لا أريده في وحشة الغربة وفي صقيع المنافي، أريد قبراً هناك في تراب الخليل، قرب كروم العنب، بجانب عظام أمي

142 - مُقَاوِمٌ بالثَّرْثَرَة

مقاومٌ بالثرثرة

مقاومٌ بالثرثرة

ممانعٌ بالثرثرة

له لسانُ مُدَّعٍ..

يصولُ في شوارعِ الشَّامِ كسيفِ عنترة

يكادُ يلتَّفُ على الجولانِ والقنيطرة

مقاومٌ لم يرفعِ السِّلاحَ

لمْ يرسل إلى جولانهِ دبابةً أو طائرةْ

لم يطلقِ النّار على العدوِ

لكنْ حينما تكلَّمَ الشّعبُ

صحا من نومهِ

و صاحَ في رجالهِ..

مؤامرة !

مؤامرة !

و أعلنَ الحربَ على الشَّعبِ

و كانَ ردُّهُ على الكلامِ..

مَجزرةْ

مقاومٌ يفهمُ في الطبِّ كما يفهمُ في السّياسةْ

استقال مِن عيادةِ العيونِ

كي يعملَ في " عيادةِ الرئاسة "

فشرَّحَ الشّعبَ..

و باعَ لحمهُ وعظمهُ

و قدَّمَ اعتذارهُ لشعبهِ ببالغِ الكياسةْ

عذراً لكمْ..

يا أيَّها الشَّعبُ

الذي جعلتُ من عظامهِ مداسا

عذراً لكم..

يا أيَّها الشَّعبُ

الذي سرقتهُ في نوبةِ الحراسةْ

عذراً لكم..

يا أيَّها الشَّعبُ الذي طعنتهُ في ظهرهِ

في نوبةِ الحراسةْ

عذراً..

فإنْ كنتُ أنا " الدكتورَ " في الدِّراسةْ

فإنني القصَّابُ و السَّفاحُ..

و القاتلُ بالوراثةْ !

دكتورنا " الفهمانْ "

يستعملُ السّاطورَ في جراحةِ اللسانْ

مَنْ قالَ : " لا " مِنْ شعبهِ

في غفلةٍ عنْ أعينِ الزَّمانْ

يرحمهُ الرحمنْ

بلادهُ سجنٌ..

و كلُّ شعبهِ إما سجينٌ عندهُ

أو أنَّهُ سجَّانْ

بلادهُ مقبرةٌ..

أشجارها لا تلبسُ الأخضرَ

لكنْ تلبسُ السَّوادَ و الأكفانْ

حزناً على الإنسانْ

أحاكمٌ لدولةٍ..

مَنْ يطلقُ النَّارَ على الشَّعبِ الذي يحكمهُ

أمْ أنَّهُ قرصانْ ؟

لا تبكِ يا سوريّةْ

لا تعلني الحدادَ

فوقَ جسدِ الضحيَّة

لا تلثمي الجرحَ

و لا تنتزعي الشّظيّةْ

القطرةُ الأولى مِنَ الدَّمِ الذي نزفتهِ

ستحسمُ القضيّةْ

قفي على رجليكِ يا ميسونَ..

يا بنتَ بني أميّةْ

قفي كسنديانةٍ..

في وجهِ كلِّ طلقةٍ و كلِّ بندقية

قفي كأي وردةٍ حزينةٍ..

تطلعُ فوقَ شرفةٍ شاميّةْ

و أعلني الصرَّخةَ في وجوههمْ

حريّة

و أعلني الصَّرخةَ في وجوههمْ

حريّةْ

احمد مطر